فصل: مسألة ما يعصر النصارى من الخمر فيتخلل أيوكل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة تفسير لا يبع حاضر لباد:

وقال مالك في تفسير «لا يبع حاضر لباد»: أهل البادية وأهل القرى، وأما أهل المدائن من أهل الريف؛ فإنه ليس بالبيع لهم بأس ممن يرى أنه يعرف السوم، إلا من كان منهم يشبه البادية، فإني لا أرى لأحد أن يبيع لهم.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والاختلاف فيها في رسم، أو له تأخير صلاة العشاء في الحرس، ومضى تحصيله في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة بيع المدر الذي يأكله الناس:

ومن كتاب البز:
وسئل مالك عن بيع المدر الذي يأكله الناس، فقال: ما يعجبني ذلك أن يباع ما يضر بالناس، فإنه ينبغي للإمام أن ينهى الناس عما يضرهم في دينهم ودنياهم، ثم قال: يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] أفالطين من الطيبات؟ إني لأرى لصاحب السوق أن يمنعهم من بيعه وينهى عنه.
قال الإمام القاضي أبو الوليد: هذا كما قال: إنه إذا كان الناس يأكلونه، وهو مضر بهم، فلا ينبغي أن يباع، ويجب على الإمام أن ينهى عن ذلك، وهذا إذا لم يكن له وجه إلا الأكل؛ لأنه إذا لم يكن له وجه إلا الأكل، وكان يضر الآكلين له بكل حال، فهو كالسم الذي قد أجمع الناس على تحريم بيعه، وقال سحنون في كتاب الشرح: لا يحل بيعه، ولا ملكه.
وأما إن كانت به منفعة لغير الأكل، فلا ينبغي أن يمنع بيعه جملة، وإنما ينبغي أن يباع ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله. وقد قال ابن المواز: أكره أكله، فأما بيعه فلا أدري، قد يشترى لغير وجه. وقال ابن الماجشون: أكله حرام، وفي احتجاج مالك بالآية التي احتج بها على أنه لا يستباح إلا ما أحل الله نحو قول ابن الماجشون. وروى عنه ابن القاسم في الجامع قال: كل أمر أحله الله فاتبعوه، ونهي نهى الله عنه فاجتنبوه، وعفو عفا الله عنه فدعوه، وقد قيل: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
وجه القول الأول من طريق النظر أنه قد ثبت أن الأشياء ملك لمالك، والأصل أنه لا يستباح ملك أحد إلا بإذنه، ووجه القول الثاني: أن خلق الله تعالى له دليل على الإباحة؛ إذ لا يجوز أن يخلقه عبثا لغير وجه منفعة، وبالله التوفيق.

.مسألة إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام يأمر الإمام أهله فيخرجوه للسوق:

ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا:
قال مالك: إذا غلا الطعام، واحتيج إليه، وكان بالبلد طعام، فلا أرى بأسا أن يأمر الإمام أهله فيخرجوه إلى السوق، فيباع إذا احتاج الناس إليه، وإنما يكون ذلك عند حاجة الناس، وليس في كل زمان.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو أمر لا أعلم فيه خلافا؛ لأن هذا وشبهه مما يجب الحكم فيه للعامة على الخاصة؛ إذ لا يصح أن يترك الناس يجوعون، وفي البلد طعام عند من لا يريده إلا للبيع، ومما يشبه هذا من منفعة العامة قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا يبع حاضر لباد»، «ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق»، فلما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك، ولما حكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشفعة للشريك على المشتري، ووجب أن يؤخذ منه الشقص الذي اشترى بالثمن شاء أو أبى لمنفعة الشريك بذلك، وإزاحة ضرر الشركة عنه، كان أحق أن يؤخذ الطعام من الذي هو عنده بالثمن لمنفعة عامة الناس بذلك، وإزاحة الضرر عنهم، ولا ضرر في ذلك على البائع؛ إذ لم يؤخذ منه إلا بالثمن الذي يسوى في السوق، وبالله التوفيق.

.مسألة يمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين:

قال مالك: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: إن الله قد أغنى بالمسلمين، فلا تجعلوا النصراني في أعمالكم، يريد ألا يكونوا جزارين ولا صرافين مع المسلمين؛ لأن الله قد أغنى بالإسلام وكثروا. وفي أهل الإسلام ما جزأ من تباعاتهم. قال سحنون: ويمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين.
قال محمد بن رشد: هذا من معنى ما تقدم في المسألة التي قبلها في الحكم على الخاصة بما فيه منفعة للعامة، وإزاحة الضرر عنهم؛ لأنه إذا كان يجب النظر لهم على الخاصة في أمور الدنيا كان في أمر الدين أولى؛ لأن النصارى يستحلون الربا والجهال يقعون فيه؛ إذ لا يمكنهم التوقي منه بجهلهم، وذلك يضر بعامة الناس، فوجب أن يحكم لهم بذلك عليهم، ولهذا المعنى يجب إخراج من تعود الغش من المسلمين، ولم يردعه الأدب عنه من السوق، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، وبالله التوفيق.

.مسألة الأمة إذا استباعت من ساداتها:

ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات:
وسئل مالك عن الأمة إذا استباعت من ساداتها، قال: ينظر في ذلك، فإن كان ضررا بيعت، وإن كان ليس بضرر ما هي فيه لم تبع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ إذ ليس في مقدار الضرر الذي يجب به أن تباع على ساداتها حد إلا الاجتهاد، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك، ورسم حلف ليرفعن أمرا ويأتي أيضا في سماع أصبغ، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم قتل الكلاب:

ومن كتاب أوله مساجد القبائل:
وسئل مالك عن قتل الكلاب أترى أن تقتل؟ قال: نعم، أرى أن يقتل ما يؤذي منها في المواضع التي لا ينبغي أن يكون فيها. قلت له: في مثل قيروان الفسطاط، قال: نعم، أرى أن يؤمر بقتل ما يؤذي منها. وأما كلاب الماشية فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: ذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في قتل الكلاب إلى ما رواه في موطئه عن نافع بن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل الكلاب»، ومعنى ذلك عنده وعند سواه ممن أخذ بالحديث في الكلاب المنهي عن اتخاذها، وقد جاء ذلك مفسرا في الأحاديث، فلا اختلاف في أنه لا يجوز قتل كلب الماشية، والصيد والزرع.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يقتل من الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم؛ لما روي عن عبد الله بن عقل قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها؛ فاقتلوا منها الأسود» وقال: من ذهب إلى هذا المذهب: الأسود البهيم من الكلاب أكثر أذى وأبعدها من تعلم ما ينفع. وروى أيضا أنه شيطان، أي بعيد من الخير والمنافع، قريب من الضرر والأذى، وهذا شأن الشياطين من الجن والإنس، وقد كره الحسن وإبراهيم صيد الكلب الأسود، وقال طائفة: إنه يقطع الصلاة، وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يقتل من الكلاب أسود ولا غيره، إلا أن يكون عقورا مؤذيا، وقالوا: الأمر بقتل الكلاب منسوخ، بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» فعم ولم يخص كلبا من غيره، واحتجوا بالحديث الصحيح في الكلب الذي كان يلهث عطشا، فسقاه الرجل فشكر الله له وغفر له، وقال: «في كل ذي كبد رطب أجر» قالوا: فإذا كان الأجر في الإحسان، فالوزر في الإساءة إليه، ولا إساءة إليه أعظم من قتله. قالوا: وليس في قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الكلب البهيم شيطان» ما يدل على قتله؛ لأن شياطين الإنس والجن كثير، ولا يجب قتلهم، وقد رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا يتبع حمامة فقال: «شيطان يتبع شيطانة»، وما ذهب إليه مالك أولى، فإن الأمر بقتلها قد جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وبالله التوفيق.

.مسألة السوق إذا أفسده أهله حطوا سعره أترى لمن وليه أن يسعره:

ومن كتاب أوله نذر سنة بصومها:
وسئل مالك عن السوق إذا أفسده أهله حطوا سعره، أترى لمن وليه أن يسعره، ويخيرهم أن يبيعوا أو يقوموا، أو لا يلزم من ذلك؟ فكره التسعير، ولم يره، وأنكره.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: حطوا سعره؛ أي حطوا من المثمون لا من الثمن؛ لأن إفساد السوق لا يكون إلا بذلك، لا بالحط من الثمن، وقد مضى القول على ذلك في أول مسألة من السماع، ومضى في الرسم الذي بعده التكلم على حكم التسعير، وما يجوز منه مما لا يجوز، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة ما يعصر النصارى من الخمر فيتخلل أيوكل:

ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه:
وسئل مالك عما يعصر النصارى من الخمر فيتخلل أيوكل؟ قال: نعم. قيل له: أفبلغك أن عمر بن عبد العزيز كتب في كسر معاصير الخمر؟ قال: نعم. قيل: معاصير المسلمين وأهل الذمة. قال: لا أرى ذلك إلا في التي للمسلمين.
قال محمد بن رشد: قوله: إن ما تخلل من خمر النصارى يؤكل صحيح بين لا إشكال فيه؛ إذ لا اختلاف في أن الخمر إذا تخللت تؤكل، فسواء كانت لمسلم أو نصراني، إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أن الخمر مختلف في نجاستها، وأنها لا تؤكل إذا تخللت إلا على القول بأنها طاهرة لا تنجس ما وقعت فيه من ماء أو طعام، وهو غلط ظاهر، وقوله: في المعاصر التي كتب عمر بن عبد العزيز أن تكسر لا أراها إلا في التي للمسلمين صحيح؛ لأن معاصير أهل الذمة لا يجب كسرها عليهم؛ لأنهم إنما بذلوا الجزية على أن يقروا في ذمتهم على ما يجوز لهم في دينهم، فلا يمنعوا من عصر الخمر إذا لم يظهروها في جماعة المسلمين، وقد مضى هذا في رسم الشجرة، وبالله التوفيق.

.مسألة شراء الثمار في الحوائط وبيعها في المدينة:

ومن سماع أشهب وابن نافع عن مالك من كتاب الأقضية مسألة في شراء الثمار في الحوائط، وبيعها في المدينة، قال أشهب وابن نافع: قيل لمالك سئل الأمير عن منع هؤلاء الذين يشترون الثمار في الحوائط، ثم يدخلون بها المدينة يبيعونها على أيديهم، فأشار عليه بعضهم بمنعهم من ذلك، وأشار عليه بعضهم ألا يفعل، فقال مالك: بأي ذلك أخذ؟ فقال: بمنعهم، فقال مالك: «نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق»، فمن التلقي أن يذهب هؤلاء إلى أهل الحوائط، فيشترون منهم، ثم يأتون به هاهنا فهذا منه، «ونهي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبيع حاضر لباد»؛ فمنه أن يذهب هذا الحاضر إلى هذا البادي، فيشتري منه، ثم يأتي فيبيع، أرى أن يمنعوا من ذلك، قيل له: أفترى من التلقي أن يخرج أهل المدينة إلى أهل الحوائط فيشترون منهم؟ قال: ما أشبههم به، قال أشهب: لا بأس به، وليس هذا بتلق، ولكنه اشترى من موضعه، وإنما التلقي أن يتلقى الجلاب قبل أن يهبط بذلك الأسواق كائنا ذلك الجلب ما كان، طعاما أو حيوانا أو غير ذلك من الأشياء كلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة حكم شراء الخصيان:

وسئل مالك عن شراء الخصيان، فقال: أما الرجل يشتري لنفسه الخصي والاثنين، فلا أرى بذلك بأسا، وأما أن ينفق لهم فلا أحبه، قد رغب فيهم الملوك، وأكثر الناس منهم. قيل لمالك: أفتكره أن يقف الرجل المسلم على الرومي، فيقول: أخص هذا؟ فقال: وما بأس هذا؟ قيل: إنهم يقولون: إذا قلت هذا ذهبوا بهم فخصوهم، قال: هم أعلم بهذا منك.
قال محمد بن رشد: قوله أن ينفق لهم معناه يشتريهم للتجارة، ويتخذهم متجرا، وهذا مثل ما في سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع. قوله فيه ترك التجارة في الخصيان أحب إلي. وأما تحريمه فلا، قيل له: لأن شراءهم قوة على خصائهم، قال: نعم، وذلك بين على ما قاله، ولم ير شراء الرجل الواحد والاثنين مما ينفقهم، ويكون قوة على خصائهم، أي سببا للإكثار من ذلك؛ لأنه قد علم أنه لا يشتريهم ويتخذهم إلا القليل من الناس، فإذا كان القليل من الناس لا يشتري منهم إلا الواحد والاثنين لم يكن ذلك تنفيقا لهم، وقد كان لمالك خصي، ولعمر بن عبد العزيز، وبالله التوفيق.

.مسألة خلط الناس اللبن بالماء لاستخراج زبدة:

وسئل عما يخلط الناس اللبن بالماء لاستخراج زبدة ما ترى به بأسا؟ قال: لا بأس بذلك، وذلك يصنع عندنا، وأما الذي أكره من ذلك الذي يخلط به الماء بعد ذلك، فأما هذا الذي يصلح به، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن خلط الماء باللبن لاستخراج زبدة، وبالعصير ليتعجل تخليله لا بأس بذلك؛ لأنه إنما يفعل للإصلاح لا للغش والإفساد، وكذلك التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن على ما مضى في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، ولما صحت عند سحنون علة مالك في جواز خلط الماء باللبن، لاستخرج زبدة، قاس عليها خلط الماء بالعصير لاستعجال تخليلة، فإنما قاس على علته لا على مجرد قوله دون الاعتبار بعلته، فقوله قياسا على قول مالك معناه قياسا علة قول مالك، وقد وقع ذلك لمالك نصا في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، وهو دليل على صحة قياس قول سحنون، وبالله التوفيق.

.مسألة إفراغ صاحب السوق اللبن الممزوج بماء وإنهابه متاع أهل السوق إذا خالفوه:

ومن كتاب الأقضية الثاني:
وسألته عن إفراغ صاحب السوق اللبن إذا مزج بماء، وإنها به متاع أهل السوق إذا خالفوا ما أمرهم به، فقال: لا يحل ولا ينبغي أن ينتهب مال أحد، ولا يحل ذلك في الإسلام، ولا يحل ذنب من الذنوب مال الإنسان ما يحل ماله، وإن قتل نفسا، وأرى أن يضرب من أنهب، ومن انتهب. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى والقول فيه في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم:

ومن كتاب الأقضية الثالث:
وسئل مالك فقيل له: إن أمورا تكون عندنا علانية من حمل المسلم الخمر علانية، ومشيه مع المرأة الشابة في الطريق يحادثها، فإذا كلم فيها قال: هي مولاتي، أليس يجب أن يتقدم في مثل هذا، ويمنع منه؟ فقال: وددت أن يعض الناس يقوم في مثل هذا ويمنع منه، وإني لأحب ذلك وأراه. قيل له: أرأيت إن كان بعض من يريد القيام في مثل هذا لا يقوى عليه إلا بسلطان، فأتى سلطانا فأنهى ذلك إليه وأخبره بعظيمه، فقال له السلطان: ما أجد لهذا أحد أثق به فدونك، فقبل ذلك منه على أنه لا يجلس في موضع معروف، ولا ينظر في حد، ولا يوقع حدا، ولكن أمر ونهي؛ أتحب له أن يدخل في ذلك بأمر السلطان؟ فقال: إن قوي على ذلك، وأصاب العمل فما أحس ذلك فليفعل.
قال محمد بن رشد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط؛ أحدها: أن يكون عالما بالمعروف والمنكر؛ لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي؛ إذ لا يأمن أن ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر. والثاني: أن يأمن من أن يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه، مثل أن ينهى عن شرب خمر فيئول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك؛ لأنه إن لم يأمن ذلك لم يجز له أمر ولا نهي.
والثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع؛ لأنه إن لم يعلم ذلك، ولا غلب على ظنه لم يجب عليه أمر ولا نهي، فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب، فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ينهى، وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرطان الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى، ولم يجب ذلك عليه، والدليل على وجوب ذلك بالشرائط المذكورة قول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71]، وقوله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41]، وقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليصرفن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعن بني إسرائيل، كان إذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تغريرا، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه، وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك صرف قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى صلى الله عليهما {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]» وحمل الرجل الخمر علانية ومشيه مع المرأة الشابة يحادثها وما أشبه ذلك من المناكر الظاهرة، لا يقدر عنى تغييرها جملة إلا السلطان، فواجب عليه أن ينكرها ويغيرها جهده، بأن يولي من يجعل إليه تفقد ذلك والقيام به، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم». ويستحب لمن دعاه الإمام إلى ذلك أن يجيبه إليه إذا علم أن فيه قوة عليه كما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لما في ذلك من التعاون على فعل الخير، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ومن لم يدع إلى ذلك، فيجب عليه أن ينكر من ذلك ما أطلع عليه مما مر به واعترضه في طريقه على الشرائط الثلاث.
وأما الانتداب إلى ذلك، والقيام بتفقده وتغيره، فلا يجب على أحد في خاصة نفسه سوى الإمام، وإنما يستحب ذلك له إذا قوي عليه، وهو قول مالك في هذه الرواية، وددت أن بعض الناس يقوم في مثل هذا ويمنع منه، وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] معناه في الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر، ولا يقوى من ينكره على القيام بالواجب في ذلك، فيسقط عنه الفرض فيه، ويرجع أمره إلى خاصة نفسه، ولا يكون عليه سوى الإنكار بقلبه، ولا يضره مع ذلك من ضل، يبين هذا ما روي عن أنس بن مالك قال: «قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، قيل: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم».
والذي كان ظهر في بني إسرائيل هو ما تقدم في الحديث الذي قبل هذا، ويريد بالملك السلطان الذي إليه إقامة أمر الإسلام من إقامة الجمعة والجماعات، وجهاد العدو، وسائر ذلك مما يرجع أمر الشرع إلى الإمام، فليزم العامة الاقتداء به، وما روى عن أبي أمية قال: «سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: كيف نصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] فقال لي: أما والله، لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدلك به، فعليك بنفسك، وإياك أمر العوام، إن من ورائكم أيام الصبر فيهن صبر على مثل قبض على الجمر، للعامل يومئذ منهم كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، وما أشبه زماننا بهذا الزمان، تغمدنا الله بعفو منه وغفران، فإذا كان الزمان زمانا يوجد على الحق فيه معين لله، فلا يسع أحدا السكوت على المناكر وترك تغييرها، قال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب»، وبالله التوفيق.

.مسألة لا يتجر هؤلاء ولا يبيعون في سوقنا ينقصون المكيال والميزان:

قال مالك: وحدثني العلاء بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال: لا يتجر هؤلاء، ولا يبيعون في سوقنا ينقصون المكيال والميزان.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذا المعنى في رسم حلف ليبيعن رجلا سلعة سماها، ورسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.

.مسألة الذي يكون منزله على طريق الجلاب يشتري منهم:

ومن كتاب مسائل البيوع:
قال: وسألته عن الذي يكون منزله على طريق الجلاب يشتري منهم، قال: لا يعجبني أن يشتري منهم إلا الضحايا، وما يريد أن يأكل، فأما أن يشتري ما يريد بيعه، فلا أرى ذلك، وذلك من التلقي. قلت له: أفرأيت الذي يخرج من المدينة، فيتلقى السلع فيشتري، ثم يقدم بها المدينة فيبيع أو يمسك؟ قال: لا خير فيه باع أو أمسك، إنما يجوز ذلك للذي يكون على طريقها منزله يشتري لغير البيع لنفسه، وإنما كره التلقي في أن يذهب الرجل من البلد قد عرف أسعارها فيشتري، ثم يقدم فيبيع على معرفة.:
وسألته عن تلقي السلع في داخل المدينة بأفواه الطرق، فقال: إن ذلك ليفعل بالمدينة يتلقون بأفواه الطرق، فلا أرى أن يصلح ذلك، وأرى أن يمنعوا منه حتى يهبط بها إلى السوق، وبعض من يحدث يقول في حديثه: حتى يهبط بها الأسواق: فلا أرى ذلك حتى يهبط بها إلى السوق فينالها الضعيف والقوي.
قال محمد بن رشد: أجاز للذي يكون منزله على طريق الجلاب وبينه، يريد أو بين المدينة والحاضرة. الأميال أن يشتري منهم ما يحتاج إليه ليأكله أو يضحي به؛ لما عليه من المشقة في النهوض إلى الحاضرة، ولم يجز لمن كان في الحاضرة أن يشتري ما مر به من ذلك؛ إذ لا مئونة عليه في النهوض إلى السوق لقربه منه، وكذلك لا يجوز له أن يتلقى شيئا منها بالمدينة بأفواه الطرق؛ لأن ذلك بمنزلة أن يخرج من الحاضرة إلى الطرق، فيشتري ما يأتي من الجلائب وهو التلقي المنهي عنه في الحديث.
وأما ما يريد به التجارة، فلا يشتريه بالطريق، وإن مر به في منزله بقريته، وبينه وبين الحاضرة التي توجه بالمتاع نحوها الأميال. قال ابن حبيب في الواضحة أو الأيام، وقد مضى بيان هذا، والقول فيه في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، من كتاب الضحايا، وسيأتي في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى بعد هذا، من هذا الكتاب القول في الحكم في ذلك إذا وقع، وبالله التوفيق.

.مسألة من يلقى الجزر أتحب أن يشتري من لحمها:

ومن كتاب البيوع الأول:
قال: وسألته عمن يلقى الجزر؛ أتحب أن يشتري من لحمها؟ قال: لا أحب أن يشتري من لحمها.
قال محمد بن رشد: إنما كره الشراء من لحمها مراعاة لقول من يرى أن البيع فاسد يجب فسخه، وأن البيع الفاسد كلا بيع، ولا ينتقل به ملك البائع، وتكون المصيبة منه إن تلف عند المشتري ببينة هو قول شاذ، إلا أنه موجود في المذهب، رواه أبو زيد عن ابن القاسم في كتاب جامع البيوع، ويقوم أيضا من سماع يحيى، من كتاب الجعل والإجارة، فيكون على هذا القول من اشترى منه كأنه اشترى لحم شاة مغصوبة، والقياس أن الشراء من لحمها جائز على المشهور في المذهب من أنها تعرض على أهل الأسواق؛ إذ قد فات ذلك فيها بالذبح، وعلى القول أيضا بأنه بيع فاسد لمطابقته للنهي؛ إذ قد فات بالذبح أيضا، ووجب أن يمضي بالثمن، أو ترد إلى القيمة، فإنما اشترى من لحم شاة قد صح ملكه لها، ودخلت في ضمانه، ولم يكن في عينها حق لبائعها، ولا لأهل السوق، وبالله التوفيق.

.مسألة التجارة في عظام على قدر الشبر:

وسئل مالك عن التجارة في عظام على قدر الشبر يجعل لها وجوه، فقال الذي يشتريها ما يصنع بها؟ فقيل: يبيعها. فقيل: ما يصنع بها؟ قيل: يلعب بها الجواري يتخذنها بناتا. قال: لا خير في الصور، ولا هذا من تجارة الناس.
قال محمد بن رشد: قوله: لا خير في الصور، وليس هذا من تجارة الناس يدل على أنه كره ذلك ولم يحرمه؛ لأن ما هو حرام لا يحل، فلا يعبر عنه بأنه لا خير فيه؛ لأن ما لا خير فيه فتركه خير من فعله، وهذا هو حد المكروه؛ لأن المكروه ما في تركه ثواب، وليس في فعله عقاب، فهو لا خير فيه، ومعنى ذلك إذا لم تكن صورا مصورة مخلوقة مخروطة مجسدة على صورة الإنسان، وإنما كانت عظاما غير مخلوقة على صورة الإنسان، إلا أنه عمل فيها شبه الوجوه بالتزويق، فأشبه الرقم في الثوب، وإلى هذا نحا أصبغ في سماعه، من كتاب الجامع، فقال: ما أرى بأسا ما لم تكن تماثيل مصورة مخلوقة مخروطة، إلا أنه علل ذلك بعلة فيها نظر، قال: لأنها تبقى، قال: ولو كانت فخارا أو عيدانا تنكسر وتبلى رجوت أن تكون خفيفة إن شاء الله، كمثل رقوم الثياب بالصور لا بأس بها؛ لأنها تبلى وتمتهن، والصواب ألا فرق في ذلك بين ما يبقى أو ما يبلى، فلا يبقى مما هو تمثال فجسد، له ظل قائم مشبه بالحيوان الحي؛ لكونه على هيئته، وإنما استخفت الرقوم في الثياب من أجل أنها ليست بتماثيل مجسدة، لها ظل قائم تشبه الحيوان في أنها مجسدة على هيئتها، وإنما هي رسوم لا أجساد لها ولا تحيا في العادة ما كان على هيأتها، فالمحظور ما كان على هيئة ما يحيا ويكون له روح بدليل قوله في الحديث: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم».
والمستخف ما كان بخلاف ذلك مما لا يحيا في العادة ما كان على هيئته، فالمستخف من هذه اللعب المصورة للعب الجواري؛ لما جاء من «أن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كانت تلعب بها بعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا ينكر ذلك عليها»، بل كان ينتدب الجواري إليها، ما كان مشبها بالصورة، وليس بكامل التصوير، وكلما قل الشبه قوي الجواز، وكلما جاز اللعب به جاز عمله وبيعه، قال ذلك أصبغ في سماعه من الجامع، وبالله التوفيق.

.مسألة التسعير على أهل السوق:

وسأله صاحب سوق المدينة عنه إن جاء إلى أهل السوق فقال: ليس بأيديكم شيء تعتلون به علينا. اشتروا على ثلث رطل يسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل يسعره عليكم من الإبل، وإلا فأخرجوه من سوقنا، ولا تشتروا شيئا. فقال: والله ما كنت أرى بهذا بأسا إذا سعر عليهم شيئا يكون قدر لحمهم واشترائهم، ولم يشتط عليهم، وعلى قدر ما يقوم لهم، لا أرى بهذا بأسا، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى، في رسم سلعة سماهما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة التسعير على أصحاب السفن:

وقيل لمالك: إن صاحب الجار أراد أن يسعر على أصحاب السفن، فذهبوا إلى جدة، فقال: بيس ما صنع صاحب الجار إن كان فعل.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أنه لا يسعر على الجلاب، وقد مضى ذلك في رسم سلعة سماها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.